العيني
279
عمدة القاري
من الكبائر بالإجماع ، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات ومنه ما يكون كفراً ، ومنه ما لا يكون كفراً ، بل معصية كبيرة فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلاَّ فلا وأما تعلمه وتعليمه فحرام ، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر واستتيب منه ولا يقتل ، فإن تاب قبلت توبته وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر ، وعن مالك : الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب بل يتحتم قتله كالزنديق ، قال عياض : ويقول مالك : قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين ، وفي ( الفتاوى الصغرى ) : الساحر لا يستتاب في قول أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف ، والزنديق يستتاب عندهما ، وعن أبي حنيفة روايتان وعن أبي حنيفة : إذا أتيت بزنديق استتبته ، فإن تاب قبلت توبته ، وقال ابن بطال : واختلف السلف هل يسأل الساحر عن حل من سحره فأجازه سعيد بن المسيب وكرهه الحسن البصري ، وقال : لا يعلم ذلك إلاَّ ساحر ، ولا يجوز إتيان الساحر لما روى سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة عن ابن مسعود : من مشي إلى ساحر أو كاهن فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم وقال الطبري : نهيه صلى الله عليه وسلم عن إتيان الساحر إنما هو على التصديق له فيما يقول : فأما إذا أتاه لغير ذلك ، وهو عالم به وبحاله ، فليس بمنهي عنه ولا عن إتيانه ، وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين : إما لتمييز ما فيه كفر من غيره ، وإما لإزالته عمن . وقع فيه . قوله : * ( ولا يفلح الساحر حيث أتى ) * ( طه : 69 ) فيه نفي الفلاح وهو الفوز عن الساحر وليس فيه ما يدل على كفره . قوله : * ( أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) * ( الأنبياء : 3 ) هذا خطاب لكفار قريش يستبعدون كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً لكونه بشراً فقال قائلهم منكراً على من اتبعه : * ( أفتأتون السحر ) * أي : أفتتبعونه حتى تصيروا كمن اتبع السحر ، وهو يعلم أنه سحر . قوله : * ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) * ( طه : 66 ) أوله * ( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) * يعني : يخيل إلى موسى عليه السلام أنها حيات تسعى ، وذلك لأنهم لطخوا حبالهم بالزيبق ، فلما حميت الشمس اهتزت وتحركت فظن موسى أنها تقصده احتج بهذا من زعم أن السحر إنما هو تخييل ولا حجة لهم في هذا ، لأن هذه وردت في قصة سحرة فرعون ، وكان سحرهم كذلك ولا يلزم أن جميع أنواع السحر كذلك تخييل . قوله : * ( ومن شر النفاثات ) * ( الفلق : 4 ) قد فسر النفاثات : بالسواحر ، وهو تفسير الحسن البصري ، وأريد به السواحر ينفثن في عقد الخيوط للسحر قوله : ( تسحرون ) أشار به إلى قوله تعالى : * ( سيقولون الله قل فأنى تسحرون ) * ( البقرة : 102 ) أي : كيف تعمون عن هذا وتصدون عنه . قوله : ( تعمون ) بضم التاء المثناة من فوق وفتح العين المهملة وتشديد الميم المفتوحة ، وقيل بسكون العين ، وقال ابن عطية . السحر هنا مستعار لما وقع منهم من التخليط ، ووضع الشيء في غير موضعه كما يقع من المسحور . فإن قلت : هذا لا يقوم به الاحتجاج على ما ذكر البخاري في هذه الآيات للاحتجاج على تحريم السحر . قلت : السحر على أنواع : منها : أنه بمعنى لطف ودق ، ومنه : سحرت الصبي خدعته واستملته ، فكل من استمال شيئاً فقد سحره ، وفي هذه الآية إشارة إلى هذا النوع . الثاني : ما يقع بخداع أو تخييلات لا حقيقة لها ، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده ، وإليه الإشارة بقوله : * ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) * ( طه : 66 ) . الثالث : ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : * ( ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) * ( البقرة : 102 ) الرابع : ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانياتها . الخامس : ما يوجد من الطلسمات . 5763 حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنا عيسَى بنُ يُونُسَ عنْ هِشامٍ عنْ أبيهِ عنْ عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ : سَحَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجُلٌ مِنْ بَني زُرَيْقٌ يُقالُ لهُ : لَبيدُ بنُ الأعْصَمِ حتَّى كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ كانَ يَفْعَلُ الشَّيءَ وما فَعَلهُ ، حتى إذَا كانَ ذَاتَ يَوْمٍ أو ذَاتَ لَيْلةٍ وهْوَ عِنْدي لاكِنَّهُ دعا ودعا ، ثُمَّ قال : يا عائِشَةُ أشَعَرْتِ أنَّ الله أفْتأني فيما اسْتَفْتَيْتَهُ فيهِ ؟ أتانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ، فقال أحَدُهُما لِصاحِبِهِ : ما وجَعُ الرَّجُلِ ؟ فقال